جمال الدين بن نباتة المصري

239

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

ثم قال : يا أمير المؤمنين ، إنّ الذي أمرتني به أنفع الأمرين إليك ، وأقبحهما بي ؛ ولكنّي أصبر حتّى يفتح اللّه عليك أو أقتل معك ، فلما قتل مروان استخفى عبد الحميد ، فغمز عليه بالجزيرة عند ابن المقفّع - وكان صديقه - وفاجأهما الطّلب وهما في بيت ، فقال الذين دخلوا [ البيت ] « 1 » : أيّكما عبد الحميد ؟ فقال كلّ واحد منهما : أنا ، خوفا على صاحبه ؛ إلى أن عرف عبد الحميد فأخذ ، وسلّمه السّفّاح إلى عبد الجبّار صاحب شرطته ، فكان يحمى له طستا ؛ ويضعه على رأسه ، إلى أن مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة . وكان أبو جعفر المنصور يقول : غلبنا بنو أميّة بثلاثة أشياء : بالحجّاج ، وعبد الحميد ، والمؤذن البعلبكيّ . وقيل لعبد الحميد : ما الّذى مكّنك من البلاغة ؟ قال : حفظ كلام الأصلع - يعنى أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه قيل له : أيّما أحبّ إليك ، أخوك أم صديقك ؟ قال : إنّما أحبّ أخي إذا كان صديقي . وقال : أكرموا الكتّاب فإنّ اللّه تعالى أجرى الأرزاق على أيديهم . وقال : العلم شجرة ، وثمارها الألفاظ . وكان إبراهيم بن جبلة يكتب خطّا رديئا ، فقال عبد الحميد : أطل جلفة « 2 » قلمك وأسمنها ، وحرّف قطّتك وأيمنها ، يصلح خطّك . وإلى هذا أشار ابن زيدون بقوله : « وعبد الحميد بارى أقلامك » . ومن رسائله ما كتب عن مروان إلى هشام يعزّيه بامرأة من حظاياه : إن اللّه تعالى أمتع أمير المؤمنين من أنيسته وقرينته متاعا مدّه إلى أجل

--> ( 1 ) من ت . ( 2 ) الجلفة : القشرة .